عبد الملك الجويني
37
نهاية المطلب في دراية المذهب
الشهادة ، وصرفِ القول إليها ، ولا يُحمل إلا بثَبَتٍ ، وهذا مما اتفق الأصحاب عليه . فإن قيل : إذا سمع الشاهد رجلاً يقول في غير مجلس القضاء : لفلان عليّ ألفُ درهم ، فله أن يتحمل الشهادة على إقراره بالمبلغ المذكور ، ومن الممكن أن يقال : أراد المقِر بقوله إشارة إلى عِدَةٍ ( 1 ) سبقت منه في عطية ، وهو على مقتضى الوفاء بالمكارم ملتَزِم بتوفيتها وتصديقها ، كما ذكرنا مثله في لفظ الشهادة ، وهذا السؤال فيه إشكال ، وفي الفرق بين الإقرار ولفظ الشهادة عُسْرٌ . وقد حكى العراقيون عن أبي إسحاق المروزي أنه قال : لا يجوز التحمل في الإقرار لاحتمال العِدَة ، كما لا يجوز التحمل في الشهادة ، فلا فرق عنده بينهما ، ولا بد من قرينة تنضمّ إلى الإقرار ، وتتضمن صرفَه نصّاً إلى الإخبار عن الاستحقاق ، مثل أن يقول : " لفلان عليّ ألفٌ عن ضمانٍ أو ثمنٍ أو قيمةِ مُتْلَف " ، كما لا بد من قرينة مع لفظ الشهادة حتى يصحَّ تحملُها . وهذا الذي ذكره المروزي في الإقرار بعيد جداً ، وإن كان في التسوية بينه وبين الشهادة اتجاه في القياس . وما زال الناس يتحملون الشهادات على الأقارير المطلقة في الديون والأعيان ( 2 ) ، فالوجه الفرق ، وهو أن نقول : إذا قال القائل : أشهد أن لفلان على فلان كذا ، فقد يُطِلق هذا وليس هو على حد التثبت التام والتحقيق الجازم . وإذا آل الأمر إلى إقامة الشهادة في مفصل القضاء ، فإذ ذاك قد يتثبت ، ولا يطلق ما كان يذكره في غير مفصل القضاء . فأما الإقرار الجازم ، فلا يطلقه المرء إلا وهو على بصيرة فيه . هذا حكم العادة . فالوجه إذا أردنا الفرق ، أن نُضرب عن التعرض للعِدَة ، وتقدير الوفاء بها ؛ فإن ذلك بعيد ( 3 ) ، لا يحمل على مثله كلامٌ مطلق . ونردّ الفرق إلى ما ذكرناه من إمكان
--> ( 1 ) في الأصل : " عدّة " . بتشديد الدال ، وهو خطأ ، فهي من الوَعْد ، وليس من العدد . ( 2 ) هنا خلل في ترتيب أوراق الأصل حيث وضعت ورقة في غير موضعها ، بل وضعت مقلوبة ، ولذا عدنا إلى ورقة 172 ي . ( 3 ) في ت 2 : " تعبد " .